لسنوات، عاشت حنان*، البالغة من العمر 30 عاماً، في صمت، تحمل ألماً لا يراه أحد.
داخل منزلها، تعرضت للعنف الجسدي والنفسي بشكل متكرر، ما أدى تدريجياً إلى تآكل إحساسها بالأمان وتقديرها لذاتها، وتركها تشعر بأنها محاصرة وعاجزة.
"كنت أعتقد أن الصمت هو الطريقة الوحيدة لحماية أطفالي ونفسي"، تقول حنان. "شعرت أنني بلا صوت وبلا خيار."
في غزة، أصبح الخروج من هذا الصمت أكثر صعوبة بالنسبة للعديد من النساء والفتيات. فبعد أشهر من الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا يزال الوضع الإنساني متقلباً وغير آمن، مع تسجيل أكثر من 930 حالة وفاة منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025. وتواصل الأسر مواجهة النزوح، والاكتظاظ في الملاجئ، ونقص الإمدادات الأساسية، وتزايد الفقر والضغوط النفسية والاجتماعية. وبالنسبة للنساء والفتيات، زادت هذه الظروف من خطر التعرض للعنف القائم على النوع الاجتماعي، فيما جعلت طلب المساعدة بأمان أكثر صعوبة.
ووفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان في فلسطين، ارتفعت حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي المبلغ عنها في غزة بأكثر من 32 في المائة بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس 2026، مقارنة بالفترة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر إلى كانون الأول/ديسمبر 2025. ويعكس هذا الارتفاع تزايد المخاطر التي تواجه النساء والفتيات في ظل النزوح وتدهور الظروف المعيشية ومحدودية الوصول إلى الخدمات، كما يوضح كيف تساعد أنشطة التوعية المجتمعية المزيد من الناجيات على معرفة أين يمكنهن الحصول على الدعم.
وبتمويل من الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ (CERF)، يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان وجمعية عبد الشافي الصحية والمجتمعية (ACHA) على إبقاء الدعم المنقذ للحياة متاحاً للنساء والفتيات في غزة. فمن خلال المساحات الآمنة للنساء والفتيات ونقاط التوعية المتنقلة في مدينة غزة وخان يونس ودير البلح، يمكن للنساء والفتيات الوصول إلى الدعم النفسي والاجتماعي، وإدارة الحالة، والمساعدة القانونية، والإحالات، والمساعدات النقدية الطارئة، وحقائب الكرامة ومستلزمات إدارة النظافة الصحية أثناء الدورة الشهرية.
وكحال العديد من الناجيات، كانت حنان تخشى الوصمة التي كثيراً ما تلاحق النساء اللواتي يتحدثن عن العنف. وكانت قلقة بشأن مستقبل أطفالها، وتعتقد أن تحمل العنف قد يكون أكثر أماناً من طلب الدعم.
وجاءت نقطة التحول في حياة حنان عندما شاركت في جلسات معلوماتية وتوعوية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي، قدمها صندوق الأمم المتحدة للسكان وجمعية عبد الشافي الصحية والمجتمعية (ACHA) في غزة، بتمويل من الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ (CERF). وفي بيئة آمنة وداعمة، بدأت تدرك أن ما تعرضت له لم يكن أمراً طبيعياً، وأنه لم يكن ذنبها أبداً.
"فتحت هذه الجلسات عينيّ"، تقول حنان. "لأول مرة، فهمت أن لدي حقوقاً، وأن ما كان يحدث لي كان عنفاً."
وبتشجيع من البيئة الآمنة المحيطة بها، قررت حنان التحدث مع مرشدة متخصصة. ومن خلال جلسات الدعم النفسي والاجتماعي المستمرة، بدأت تدريجياً في استعادة ثقتها بنفسها ومعالجة الصدمة التي حملتها لسنوات.
"تعلمت أنني لست الملامة"، توضح حنان. "وتعلمت أيضاً كيف أضع حدوداً وأحمي نفسي وأطفالي."
اليوم، تصف حنان نفسها بأنها شخص مختلف. فهي أقوى، وأكثر ثقة، ولم تعد تخاف من التعبير عن نفسها. وقد اتخذت خطوات مهمة لحماية نفسها وأطفالها من مزيد من الأذى، وتشعر اليوم بقدرة أكبر على اتخاذ قرارات تخص مستقبلهم.
"لم أعد المرأة التي كانت تعيش في خوف"، تقول. "الآن أعرف قيمتي، وأعرف أن أطفالي يستحقون حياة آمنة."
بالنسبة لنساء مثل حنان، هذا الدعم ليس مجرد خدمة. إنه مساحة آمنة للتحدث، ولأن يتم تصديقهن، ولبدء رحلة التعافي.
ومن خلال المشروع الممول من الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ (CERF)، "الخدمات المنقذة للحياة للعنف القائم على النوع الاجتماعي والدعم النقدي متعدد الأغراض للنساء والأسر الضعيفة في غزة"، يهدف صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى الوصول مباشرة إلى 21,800 شخص في غزة، من بينهم 18,000 امرأة وفتاة بخدمات العنف القائم على النوع الاجتماعي وحقائب الكرامة ودعم النظافة الصحية أثناء الدورة الشهرية. كما سيوفر المشروع مساعدات نقدية متعددة الأغراض لـ 3,800 أسرة ضعيفة لمساعدتها على تلبية احتياجاتها العاجلة، مثل الغذاء والإيجار والأدوية والمواصلات ومواد النظافة، إضافة إلى مساعدات نقدية طارئة لـ 100 ناجية من العنف القائم على النوع الاجتماعي ضمن إدارة الحالة المتكاملة.
ومن خلال الجمع بين المساحات الآمنة، والإرشاد، والإحالات، ودعم الكرامة، والمساعدات النقدية، يساعد المشروع النساء والفتيات على الوصول إلى الدعم الذي يحتجن إليه، مع الحد من الضغوط التي قد تدفع الأسر إلى اللجوء إلى آليات تكيف ضارة، بما في ذلك زواج الأطفال وعمالة الأطفال واستراتيجيات البقاء غير الآمنة.
رحلة حنان من الصمت الى القوة تذكير بأن النساء والفتيات، عندما تتمكن من الوصول الى دعم آمن وسري ورحيم يصبح التغيير ممكنا.
*تم تغيير الاسم حفاظاً على الخصوصية.
